الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

149

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إما موصولة أو موصوفة أو مصدرية فهذه ثمانية عشر وجها ففي بعضها يكون مفادها مفاد ما لا يدرك كله لا يترك كله ولذا أو للوجه الآتي قد تجعل رديفا لذلك الخبر ويستدل بها على ما يستدل عليه بذلك وفي بعضها تفيد أن الأمر إذا تعلق بكلي فالمطلوب أداؤه في ضمن الأفراد المقدورة وفي بعضها تفيد الأمرين وفي بعضها تفيد وجوب التكرار إن جعلنا الأمر في فأتوا للوجوب فيمكن أن يحتج لها على كون الأمر للتكرار وإلا أفادت رجحان الإتيان بالمأمور به بعد أداء المقدار اللازم كما قد يتخيل بناء على كون الأمر موضوعا لطلب الطبيعة حسبما يأتي الإشارة إليه في كلام المصنف وقد يومي إلى هذا الوجه ملاحظة أول الرواية وموردها فتأمل قوله رد الإتيان بالمأمور به إلى مشيتنا أنت خبير بأن المذكور في الرواية هو الرد إلى الاستطاعة وهو مما لا ربط له بالرد إلى المشية كما هو مبنى الاستدلال وتفسير الاستطاعة بالمشية غريب وكان الذي أدخل عليه الشبهة تفسير الاستطاعة بالاختيار فإن ما لا يستطيعه الإنسان لا اختيار له فيه ثم جعل الاختيار بمعنى المشية فإن اختيار الإتيان بالشيء هو مشيته أو ما يقرب منها فيكون قد خلط بين المعنيين فإن الاختيار بمعنى القدرة غير الاختيار بمعنى الترجيح وقد يوجه أيضا بأن كون الفرد المأتي به بعد تعلق الأمر بالطبيعة هو المقدور من أفرادها أمر واضح غني عن البيان فحمل العبارة على ظاهرها قاض بإلغائها فلذا صرف الاستطاعة عن ظاهرها وفسرها بالمشية وقد يجعل ذلك مبنيا على الجبر وعدم ثبوت الاستطاعة للعبد فلا بد من صرفها إلى المشية فلا يخفى وهن الجميع قوله وهو معنى الندب لا يخفى أن الرد إلى المشية يشير إلى الإباحة ولا أقل من كونه أعم منه ومن الندب فمن أين يصح كونه بمعنى الندب ثم إنه لا دلالة فيه على كون اللفظ موضوعا للندب إذ غاية الأمر أن يكون ذلك مرادا منه وهو أعم من الحقيقة مضافا إلى أن إذا من أدوات الإهمال فلا يدل إلا على رد بعض الأوامر إلى المشية وأين ذلك من إثبات العموم وقد يقال إن إذا وإن كان من أدوات الإهمال بحسب اللغة إلا أنها تفيد العموم بحسب الاستعمالات العرفية على أن الإطلاق كاف في المقام لكونه من مورد البيان وإرادة بعض مما لا فائدة فيه فيرجع إلى العموم وإذا دلت الرواية على حمل المطلقات من الأوامر على الندب كان بمنزلة بيان لازم الوضع فيكشف عن وضعه بإزاء ذلك وهذا وإن لم يدل على وضعه له بحسب اللغة كما هو المدعى إلا أنه يتم ذلك بملاحظة أصالة عدم النقل هذا غاية ما يوجه به كلام المستدل وهو كما ترى في غاية الوهن قوله وهو معنى الوجوب كذا ذكره الحاجبي والعضدي وأنت خبير بأن الرد إلى الاستطاعة كما هو حاصل في الواجب فكذا في المندوب ضرورة عدم استحباب الإتيان بغير المقدور فهو أعم من الوجوب والندب ولذا أجاب الآمدي عنه على الوجه المذكور حيث قال إنه لا يلزم من قوله ما استطعتم تفويض الأمر إلى مشيتنا فإنه لم يقل ما شئتم بل قال ما استطعتم وليس ذلك خاصة الندب فإن كل واجب كذلك انتهى وحينئذ فلا وجه لكون ذلك معنى الوجوب وأجاب عنه القطبي بأن المراد بالمعنى لازمه فالمراد بكون الرد إلى الاستطاعة معنى الوجوب أنه لازم معناه لا أنه عينه قلت فيتجه به العبارة المذكورة حيث إن ظاهرها بين الفساد ضرورة أن الرد إلى الاستطاعة ليس عين الوجوب فيصح الحكم المذكور حيث إن اللازم قد يكون أعم لكنك خبير ببعد التوجيه المذكور عن ظاهر العبارة فإن غاية ما يحتمله العبارة كون ذلك من روادفه ولوازمه المساوية وحينئذ يندفع عنه ما قد يورد عليه من أن الرد إلى الاستطاعة ليس عين الوجوب والإيراد المذكور باق على حاله وربما يوجه ذلك بأن تعليق الإتيان به على الاستطاعة يدل على أنه لا يسقط منا إلا ما لا استطاعة لنا فيه فيفيد الوجوب وهو أيضا كما ترى فإن المعلق على الاستطاعة قوله فأتوا فإن أريد به الوجوب صح وإلا فلا يتم إذ لا يزيد على ذلك إفادة عدم سقوط المندوب مع الاستطاعة وقد يوجه إذن بابتناء ذلك على كون لفظ الأمر مفيدا للوجوب فرده إلى الاستطاعة حينئذ تحقق لإرادة الوجوب بخلاف ما لو رد إلى المشية كما ادعاه المستدل لدلالته على عدم إرادة الوجوب من الأمر كذا يستفاد من كلام بعض الأفاضل قوله وفيه نظر حكى ابن المصنف نقلا عن والده في وجه النظر أمران أحدهما أن المدعى ثبوت الوجوب لغة فقول المجيب إن الوجوب إنما يثبت بالشرع لا وجه له وثانيهما أن الظاهر من كلامه الفرق بين الإيجاب والوجوب والحال أنه لا فرق بينهما إلا بالاعتبار وأنت خبير باندفاع الوجهين أما الأول فبما عرفت سابقا من أن المراد بالوجوب المدلول عليه بالأمر هو ليس هو الوجوب المصطلح الذي هو أحد الأحكام الخمسة الشرعية بل المقصود منه هو طلب الفعل مع المنع من الترك وعدم الرضا به من أيّ طالب صدر وهو المعبر عنه بالإيجاب في كلام المجيب ومن البين أن الحاصل بإنشاء الطلب المذكور هو مطلوبية الفعل لذلك الطالب على النحو المذكور ولا يستلزم ذلك كون الفعل في نفسه أو بملاحظة أمر ذلك الأمر به مما يذم تاركه أو يستحق العقاب على تركه فإن تفرع ذلك على الأمر أمر يتبع وجوب طاعة الآمر بحسب العقل أو الشرع ولا ربط له بما وضع اللفظ له فالوجوب المدلول عليه باللفظ لغة وشرعا هو المعنى الأول والوجوب بالمعنى الثاني من الأمور اللازمة للمعنى الأول في بعض الصور حسبما عرفت وهو إنما يثبت بواسطة العقل أو الشرع وليس مما وضع اللفظ له فلا منافاة بين كون الوجوب مدلولا عليه بحسب اللغة وما ذكره من عدم ثبوت الوجوب إلا بالشرع لاختلاف المراد منه في المقامين نعم كلام المجيب لا يخلو عن سوء التعبير حيث يوهم عدم دلالة الأمر على الوجوب مطلقا إلا بالشرع ولا مشاحة فيه بعد وضوح المراد ومن ذلك يظهر اندفاع الوجه الثاني أيضا فإن الوجوب الذي يقول بمغايرته للإيجاب على الحقيقة وانفكاكه عنه بحسب الخارج هو الوجوب بالمعنى الثاني بالنسبة إلى الإيجاب بالمعنى الأول دون الوجوب بالمعنى الأول بالنسبة إلى إيجابه لوضوح عدم انفكاك مطلوبية الفعل على سبيل المنع من الترك عن طلبه بل الأمر الحاصل في الواقع شيء واحد يختلف بحسب الاعتبارين حسبما ذكر وإيراد المدقق المحشي عليه بأن القول بكون الإيجاب والوجوب متحدين بحسب الحقيقة وبالذات ومختلفين بالاعتبار من مزخرفات الأشاعرة ولا محصّل له أصلا ليس على ما ينبغي واستناده ذلك إلى الأشاعرة مما لم يتضح وجهه ولا ربط له بشيء من أصولهم وكان ملحوظه في ذلك أنه لما كان الوجوب عند الأشاعرة عبارة عن مجرد كون الفعل مطلوبا للشارع وهو معنى الحسن عندهم من غير حصول أمر آخر لم يكن الوجوب الحاصل عندهم إلا المعنى الأول وقد عرفت أنه متحد مع الإيجاب بالذات مغاير